ابن كثير

259

البداية والنهاية

عباده بإرسال الغيث المتدارك الذي أحيى العباد والبلاد ، وتراجع الناس إلى أوطانهم لوجود الماء في الأودية والغدران ، وامتلأت بركة زرع بعد أن لم يكن فيها قطرة . وجاءت بذلك البشائر إلى نائب السلطنة ، وذكر أن الماء عم البلاد كلها ، وأن الثلج على جبل بني هلال كثير ، وأما الجبال التي حول دمشق فعليها ثلوج كثيرة جدا ، واطمأنت القلوب وحصل فرج شديد ولله الحمد والمنة ، وذلك في آخر يوم بقي من تشرين الثاني . وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من رمضان توفي الشيخ عز الدين محمد الحنبلي بالصالحية وهو خطيب الجامع المظفري ، وكان من الصالحين المشهورين رحمه الله ، وكان كثيرا ما يلقن الأموات بعد دفنهم ، فلقنه الله حجته وثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . مقتل المظفر وتولية الناصر حسن بن ناصر وفي العشر الأخير من رمضان جاء البريد من نائب غزة إلى نائب دمشق بقتل السلطان الملك المظفر حاجي بن الناصر محمد ، وقع بينه وبين الأمراء فتحيزوا عنه إلى قبة النصر فخرج إليهم في طائفة قليلة فقتل في الحال ( 1 ) وسحب إلى مقبرة هناك ، ويقال قطع قطعا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولما كان يوم الجمعة آخر النهار ورد من الديار المصرية أمير للبيعة لأخيه السلطان الناصر حسن بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، فدقت البشائر في القلعة المنصورة ، وزين البلد بكماله ولله الحمد في السعة الراهنة من أمكن من الناس ، وما أصبح صباح يوم السبت إلا زين البلد بكماله ولله الحمد على انتظام الكلمة ، واجتماع الألفة . وفي يوم الثلاثاء العشرين من شوال قدم الأمير فخر الدين إياس نائب حلب محتاطا عليه ، فاجتمع بالنائب في دار السعادة ، ثم أدخل القلعة مضيقا عليه ، ويقال إنه قد فوض أمره إلى نائب دمشق ، فمهما فعل فيه فقد أمضى له ، فأقام بالقلعة المنصورة نحوا من جمعة ، ثم أركب على البريد ليسار به إلى الديار المصرية ، فلم يدر ما فعل به . وفي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة ( 2 ) توفي الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الاسلام وشيخ المحدثين شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي بتربة أم الصالح وصلي عليه يوم الاثنين

--> ( 1 ) وكان ذلك بكرة يوم الأحد ثاني عشر رمضان سنة 748 ه‍ ( السلوك 2 / 743 النجوم الزاهرة 10 / 172 وفي بدائع الزهور 1 / 517 : يوم الأحد ثاني عشر رمضان ) . ( 2 ) كذا بالأصل ، وسلوك المقريزي 2 / 754 وفي بدائع الزهور 1 / 500 ذكرت وفاته سنة 744 ه‍ وقال : ومن الناس من يذكر وفاته سنة 748 ه‍ قال المقريزي : وكان مولده في ربيع الآخر سنة 673 ه‍ .